محمد متولي الشعراوي
3923
تفسير الشعراوى
فمن يريد الجنة يأتي إلى الإيمان ، ومن يريد ما هو دون الجنة فليس مكانه مع أهل الإيمان . مع أنه قال لهم فيما بعد ستركبون السفن وتفرشون الزرابى والوسائد وتجلسون عليها ، وبشرهم بالكثير ، لكنه لم يقل لهم ذلك من البداية لأن من هؤلاء من لا يدرك خيرا في الدنيا مع الإسلام ، بل يموت والإسلام ضعيف واتباعه في قلة ، لذلك أعطاهم الجزاء المضمون لهم جميعا حين قالوا له : ماذا إن نحن وفّينا ؟ . قال : لكم الجنة . وكأنه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلمهم أن الدنيا أهون من أن تكون جزاء على العمل الصالح ، فجزاء العمل الصالح خالد لا يفوتك ولا تفوته . وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ . . ( 124 ) [ سورة الأنعام ] وحين نتأمل قولهم : ( لَنْ نُؤْمِنَ ) نجد أن في هذا القول إصرارا على عدم الإيمان ، أي لن نؤمن حتى في المستقبل إنهم تحكموا في المستقبل . ثم يفضحهم اللّه فيموت بعضهم على الكفر ، ومن بقي منهم يأتون مؤمنين بعد الفتح . ومن العجيب أن العبارة التي ينطقون بها هي عبارة مهزوزة لا تستقيم مع منطق الكفر منهم ، قالوا : لن نؤمن حتى نؤمن مثل ما أوتى رسل اللّه ، كأنهم قد عرفوا أن هناك رسلا من اللّه ، والأصل في الآية أن يؤمنوا برسل اللّه ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم الرسل ، وهذا القول يدل على مجرد المعارضة المقترنة بالغباء ، فما دمتم تعرفون أن للّه رسلا يصطفيهم ، فكيف تحاولون أنتم تحديد إرادة اللّه في الاختيار ؟ . إن رسل اللّه كانت لهم آيات كونية ، حسية مرئية ، وهي وإن كانت فيها قوة المشهد الملزم ، إلا إنه لا ديمومة لها ، فمن رأى سيدنا موسى وهو يضرب البحر فينفلق لن يكذب هذه الآية الكونية ، إلا أنها أصبحت خبرا والخبر مناسب لمحدودية رسالة موسى ، وكذلك رسالة عيسى عليه السّلام حيث أبرأ الأكمة والأبرص بإذن اللّه . وهذه رسالات لزمن محدود وفي قوم محدودين ، لكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جاء ومعه المنهج المعجزة الباقي إلى قيام الساعة ، فإن كانت المعجزة حسيّة فلن يراها إلا قوم مخصوصون لأن الأمر الحسى لا يتكرر ، بل ينتهى ، وسيدنا محمد رسول إلى أن تقوم الساعة . فلا بد له من آية باقية إلى قيام الساعة ؛ لذلك كانت الآية في المعنويات والعقليات التي لا تختلف فيها الأمم ولا تختلف فيها الأزمان ،